رحلة نجاح طبيبة الدم والأورام عند الأطفال رولا أبو عرجة

من وظائف مؤقتة إلى إدارة برنامج زراعة النخاع الرابع أميركياً

ربما يكون من الصعب تحديد ما إذا كانت الدكتورة رولا أبو عرجة أمريكية من أصل عربي، أو أردنية من أصل فلسطيني، لكن من السهل الاعتراف بدورها الإنساني الكبير الذي يتجاوز اعتبارات الأصول والجنسية والإقامة، إلى فضاء كَوْنيٍّ أوسع، يتمثّل في معالجة الأطفال المصابين بأمراض الدم والأورام، وإدارة برنامج زراعة النخاع العظمي بمستشفى الأطفال في كولومبوس (Nationwide Children’s Hospital)، والذي تمّ تصنيفه الرابع على مستوى الولايات المتحدة.

أمّا على صعيد البحوث والدراسات، فإنها تعمل حالياً على دراسة علمية متقدمة لقياس مدى نجاح زراعة نخاع عظمي من متبرع نصف متطابق، من المؤمّل أن تفتح نافذة علمية واعدة لعلاج مرضى آخرين من مختلف مناطق العالم.

لدى رولا أفكارها الخاصّة، بحيث تُشعر المستمع إليها بأنها هي، لا أحد آخر، حيث تقول في سياق الحديث عن أزمة الهوية: "نحن حائرون بين ثقافتين، ولهذا يجب البحث عمن يشبهنا، وتكوين مجتمعاتنا الخاصة"، مؤكدة في الوقت ذاته على أهمية المحافظة على روح الثقافة العربية، والتواصل الايجابي مع الناس من مختلف الثقافات.

من هي رولا أبو عرجة؟

رولا أستاذ مشارك وعضو لجنة اختيار الطلبة في كلية الطب بجامعة ولاية أوهايو (The Ohio State University)، وهي مديرة برنامج زراعة النخاع العظمي ومديرة برنامج الزمالة في التخصص ذاته بمستشفى الأطفال في كولومبوس، إضافة إلى أنها أم لفتاة وشاب يافعين.

حصلت أبو عرجة على بكالوريوس الطب والجراحة العامة من الجامعة الأردنية، وبدأتْ رحلتها إلى أمريكا بعد أن تقدمت لامتحانات معادلة الشهادة في كل من مصر واليونان، حيث لم تكن هذه الامتحانات متوفرة الاّ في هاتين الدولتين آنذاك، وعلى الرغم من أنها من مواليد الولايات المتحدة، إلا أنها واجهت معارضة لفكرة السفر قبل الزواج، الأمر الذي شكّل تحدياً واجهته مع بداية مسيرتها المهنية.

بدايات رحلة النجاح

كانت الدكتورة رولا متأكدة من أن المستقبل المهني ينتظرها في أمريكا، وكانت تخطط وهي في فترة الامتياز للسفر إليها، أسوة بالعديد من زملائها الخريجين، وبالفعل جاءت وبدأت العمل فور وصولها في وظائف متعددة لا علاقة لها بالطب خلال فترة إجراء المقابلات وانتظار قبولها في برنامج التخصص، "ساعدني العمل كموظفة في أحد المحلات على التعرف على الحياة الأمريكية، وتحسين لغتي الإنجليزية، والتواصل بفعالية أكبر مع الناس من مختلف الثقافات".

عملت أبو عرجة في مدينة نيويورك مع بدايات مشوار الاغتراب المليء بالتحديات، "لم يكن الإنترنت متوفراً، ولم يكن لدي معارف، غير أنها كانت تجربة غنيّة تعلّمت منها الكثير".

في تلك الأثناء، كانت المنافسة للقبول في برامج الإقامة والاختصاص شديدة، وعلى الرغم من ذلك، طُلب منها توقيع العقد بعد اجرائها للمقابلة مباشرة بمركز مدينة جيرسي الطبي/ برنامج كلية طب جبل سينا (The Jersey City Medical Center/Mount Sinai School of Medicine program in New Jersey) لإكمال برنامج الإقامة في طب الأطفال لمدة ٣ سنوات، لتبدأ من هناك رحلتها مع التميّز والنجاح.

لحظة من أوقات حياتها الصعبة!

في نيويورك، المدينة الصاخبة التي لا تكاد تشبهها مدينة أخرى، وأثناء إحدى فترات مناوبة الدكتورة رولا، حدثت التفجيرات التي كانت فارقة في تاريخ أمريكا والعالم "كنت مناوبة في المستشفى وقت تفجيرات نيويورك، رأيتها بعينيّ، لم أصدق حينها أن شيئاً كهذا من الممكن أن يحدث، تمنيت ألا تكون حقيقية".

مرّت الأيام بخطى سريعة، وأصبحت رولا رئيسة لأطباء الأطفال المقيمين (Pediatric Chief Resident)، بعد ذلك أكملت زمالة أمراض الدم والأورام للأطفال لمدة 3 سنوات في مستشفى جامعة أيوا للأطفال (the University of Iowa Children’s Hospital)، والتحقت بعدها في برنامج زمالة لمدة عام في علم المناعة وزراعة الدم والنخاع (Immunology and Blood and Marrow Transplant) "بعد الانتهاء من البرنامج، عرض عليّ العمل في الجامعة نفسها بمنصب أستاذ مساعد، وكان هذا العرض أوّل تقدير أشعر به في حياتي!".

لم تقف أبو عرجة عند حدود هذا الانجاز، إذ سرعان ما أضافت إليه انجازاً آخر، فقد تمّ تعيينها مديرة لوحدة زراعة نخاع عظام الأطفال، وأستاذ مساعد في مستشفى رينبو للأطفال في كليفلاند أوهايو (Rainbow Babies and Children’s Hospital in Cleveland)، قبل انضمامها إلى مستشفى الأطفال (Nationwide Children’s Hospital) في كولومبوس، والذي ما زالت تعمل فيه حتّى الآن.

التحدي الذي جعلها تفكّر في ترك الطب!

مسيرة الدكتورة أبو عرجة لم تكن سهلة على الإطلاق، لقد تخللها تحديات "شخصية" ومهنية صعبة، تصف لحظة منها بالقول: "سافرت وأنا حبلى بالسيارة من نيويورك إلى أياوا، من مدينة تمتليء بالحركة الى مدينة مسكونة بالهدوء، لن أنسى هذه الرحلة ما حييت، ١٣ ساعة تخللتها موجات من البكاء، تارة بسبب ما واجهته من إحباط في الماضي، وتارة أخرى بسبب ما كنت أتوقع حدوثه في المستقل، كنت أشبه بساعة تسير عقاربها في اتجاهين"!

تضيف رولا، "في لحظة ما وبسبب مشاكل خاصة، فكرت في ترك الطب، ثمّ تراجعت بعد أن شعرت بأن هناك قوة تدفعني إلى الأمام" مبيّنة أن المرأة تحتاج أحياناً للعمل أضعاف الرجل من أجل تحقيق أهدافها والحصول على الحقوق ذاتها.

وجهة نظر في مهنة الطب بالدول العربية  

لم تخفِ أبو عرجة أثناء الحديث عن تدريس وممارسة الطب في البلاد العربية انتقادها لبعض المؤسسات التعليمية، والتي ما زالت تعتمد على أسلوب التلقين بدلاً من التحفيز على إجراء البحوث، مشيرة إلى أهمية تقديم إضافات للمنجز العلمي العالمي من قبل هذه المؤسسات.

أمّا عن الرعاية الطبية وأساليب التعامل مع المرضى، تقترح رولا العمل بشكل جاد على تطوير المعايير التي تتبعها المنشآت الصحية في هذا السياق، كونها ما تزال أدنى من المستوى المطلوب. "فكرت في العودة، لكن ليس هناك ما يشجع في البلاد"، مؤكدة على أهمية العمل ضمن منظومة بيئية تحفّز على الإنجاز.

كما تقترح أيضاً التركيز على العمل المؤسسي والجماعي لأنه عامل أساسي لتحقيق النجاح بحسب تعبيرها، مشيرة إلى اعتماد المؤسسات الطبية الأمريكية على مجموعة من الخبرات المتراكمة والمتعددة، وإلى تقديرها للكفاءات العلمية والمهنية، واحترامها للتنوع من خلال الترحيب بالأطباء من مختلف الجنسيات والثقافات.

إلى جانب ذلك، تشدّد على تحسين مستوى مهنة الطب في البلاد العربية، من خلال البدء بإيلاء الرعاية الصحية الأولية أهمية خاصة، والعمل على نشر ثقافة طبيب العائلة، كخطوة أولى في الطريق إلى نظام صحي متكامل وحديث، إضافة إلى تشجيع البحوث العملية والدراسات، واستقطاب الكفاءات، وتحسين مستوى الإدارة الصحية والخدمات الطبية المرافقة.

إضاءات خارج المهنة والوظيفة

رولا سيّدة تتمتع بروح عصرية شابة، تشارك في مناسبات الأصدقاء الاجتماعية، وترعى شؤون وِلَدَيْها بكفاءة عالية، كما أنها تتمتع بشخصية متواضعة وعقلية منفتحة تتقبل وتحترم الأفكار والثقافات المختلفة، تقول والدتها عنها: "كانت تحب القراءة، لم نكن بحاجة لتشجيعها على الدراسة، وكان لديها شغف كبير في انجاز ما عليها فعله بكفاءة"، في حين يؤكد والدها على قدرتها على تحمل المسؤولية وتجاوز التحديات من خلال تركيزها على المستقبل.

ماذا بعد ...

اهتمامات الدكتورة أبو عرجة العلاجية تتمثل في عمليات زراعة الدم والنخاع للمصابين بالأورام الخبيثة وغير الخبيثة، مع التركيز على زراعة الأعضاء في الاضطرابات المناعية والتمثيل الغذائي، وأهم ما تقوم به حالياً هو بحث يتعلق بزراعة نخاع عظمي من متبرع غير متطابق (نصف متطابق)، ما يعطي أملاً للمرضى الذين لا يتوفر لديهم متبرع متطابق لزراعة نخاع عظمي.

أما عن المستقبل فتقول "راضية عن انجازاتي، وأرغب في ترك فرصة لأطباء آخرين"، معربة عن مدى سعادتها في دعم طلابها. ورغبتها في تتويج هذه المسيرة بالوصول إلى درجة الأستاذية "بروفيسورة"، وهي الدرجة العلمية المتبقية التي تطمح إلى تحقيقها في المستقبل القريب.

مقالات ذات صلة

عبدالرحمن: أفضل شخصية للأعمال التجارية الصغيرة في أمريكا

عبدالله المبيضين

صحافي أردني يفوز بجائزة صديق اللغات العالمية في ولاية أوهايو

اختيار المحرر

10 ملايين شخص سجلوا في تطبيق ثريدز (Threads) في 7 ساعات

أفضل 10 أماكن للعيش فيها للمحترفين الشباب في أمريكا

موضوعات متنوعة

الصورة

ما هو الأصل التاريخي لتقليد كذبة نيسان / أبريل؟

الصورة

لماذا يُحسب الأمريكيون العرب على العرق الأبيض في أمريكا ؟

الصورة
Claudette Colvin

طفلة شجاعة تشعل أول مظاهرة ضد الفصل العنصري في أمريكا

الصورة
العربية خامس اللغات استخداما في الولايات المتحدة

أكثر من 350 لغة في أمريكا وشخص من كل 5 يتحدث غير الإنجليزية

الصورة
جيمي كارتر ، الصورة نقلا عن AP

جيمي كارتر: أبرز شخصيات العالم في حل النزاعات

الصورة
عيد الحب

نظرة تاريخية من خلال تسعة حقائق حول عيد الحب